الشوكاني
214
نيل الأوطار
المدبرة دون المدبر . وقال الليث : يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه . وقال ابن سيرين : لا يجوز بيعه إلا من نفسه . وقال مالك وأصحابه : لا يجوز بيعه إلا إذا كان على السيد دين فيباع له . قال النووي : وهذا الحديث صريح أو ظاهر في الرد عليهم ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما باعه لينفقه سيده على نفسه ، ولعله لم يقف على رواية النسائي التي ذكرها المصنف ، نعم لا وجه لقصر جواز البيع على حاجة قضاء الدين ، بل يجوز البيع لها ولغيرها من الحاجات ، والرواية المذكورة قد تضمنت أن الرجل المذكور كان محتاجا للبيع لما عليه من الدين ومن نفقة أولاده . وقد ذهب إلى جواز البيع لمطلق الحاجة عطاء والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب ، كما حكي ذلك عنهم في البحر ، وإليه مال ابن دقيق العيد فقال : من منع البيع مطلقا كان الحديث حجة عليه ، لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي ، ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها ، فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور ، وأجاب من أجازه مطلقا بأن قوله في الحديث وكان محتاجا لا مدخل له في الحكم ، وإنما ذكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه ليبين للسيد جواز البيع ، ولا يخفى أن في الحديث إيماء إلى المقتضى لجواز البيع بقوله : فاحتاج وبقوله : اقض دينك وأنفق على عيالك . ( لا يقال ) الأصل جواز البيع والمنع منه يحتاج إلى دليل ، ولا يصلح لذلك حديث الباب ، لأن غايته أن البيع فيه وقع للحاجة ، ولا دليل على اعتبارها في غيره ، بل مجرد ذلك الأصل كاف في الجواز لأنا نقول : قد عارض ذلك الأصل إيقاع العتق المعلق ، فصار الدليل بعده على مدعي الجواز ، ولم يرد الدليل إلا في صورة الحاجة ، فيبقى ما عداها على أصل المنع . وأما ما ذهب إليه الهادوية من جواز بيع المدبر للفسق كما يجوز للضرورة فليس على ذلك دليل إلا ما تقدم عن عائشة من بيعها للمدبرة التي سحرتها ، وهو مع كونه أخص من الدعوى لا يصلح للاحتجاج به لما قررناه غير مرة من أن قول الصحابي وفعله ليس بحجة . ( واعلم ) أنها قد اتفقت طرق هذا الحديث على أن البيع وقع في حياة السيد إلا ما أخرجه الترمذي بلفظ : أن رجلا من الأنصار دبر غلاما له فمات وكذلك رواه الأئمة أحمد وإسحاق وابن المديني والحميدي وابن أبي شيبة عن ابن عيينة ، ووجه البيهقي الرواية المذكورة بأن أصلها : أن رجلا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حدث فمات